عندما تلتقي الثقافات

طاجيكستان.. هذه البقعة الصغيرة النائية من أرض المعمورة قد أنعم الله عليها بكثرة الجبال الشاهقة وغزارة المياه المتدفقة نحو الأسفل لتروي ظمأ وديانها ووديان بلاد أخرى تجاورها.. وخصّ أبناءها بصفاء القلوب ونقاء الضمائر وطهارة الإيمان  يجتمع فيهم شموخ الجبال ووداعة الوديان.. نعم، إن سكان طاجيكستان (وهي معروفة بـ "بلاد ماوراء النهر" قديماً)  على غرار العرب من أقدم شعوب العالم تاريخاً وحضارة.. ومن أكثر المسلمين إسهاماً وأريحية في حمل راية الحنيفية السمحة علماً وشريعة.. ومن أحرصهم على إحياء السنة النبوية الشريفة الطاهرة تحقيقاً وتدقيقاً.. و من أقرب الناس ارتباطاً وصلةً بالعرب منذ صدر الإسلام..

ولعله تكفينا الإشارة إلى أن الشعب الطاجيكي قد قدّم للعالم الإسلامي مدينتين جوهرتين يعتز  بهما الإسلام وهما "سمرقند" و"بخارى" وأنجب أعلاماً مثل الإمامين الجليلين البخاري والترمذي وشيخ الرئيس ابي علي بن سينا تدين لهم الحضارة الإسلامية..

واليوم لنا حوار مع أحد أبناء هذا البلد الذي يعشق اللغة العربية وآدابها وثقافتها الأصيلة وهو الشاعر المترجم وعضو إتحاد أدباء طاجيكستان الأستاذ نــذرالله  نــزار..

- ما الذي يجمع الثقافتين العربية والطاجيكية؟

- إذا ما نظرنا إلى ثقافات الشعوب والأمم قلما نجد ثقافتين تلتقيان في الأصالة والتفاعل كما هو الحال بالنسبة للثقافتين العربية والطاجيكية. وفي عهد مضى منذ الفتوحات الإسلامية في بلاد ماوراء النهر وخراسان كانت هاتان الثقافتان ثقافة واحدة وإن اختلفت لغة التعبير عنهما وحتى أن اللغة الطاجيكية وهي اللغة الفارسية عينها تأثرت كثيراً باللغة العربية وأخذت منها كل ما استطاعت أن تأخذه من الكلمات والمفردات لتصبح بذلك مزيجاً جميلاً من العربية والفارسية - بالمناسبة أكثر من نصف مفردات لغتنا من أصل عربي - يذوب حلاوة في أفواه الناطقين به وما أحلى ما أنشد بهذا المزيج اللغوي الرجلان العظيمان الشيخ سعدي والخواجه حافظ من بلدة  "شيراز" الإيرانية والرجلان الورعان مولانا جلال الدين الرومي ومولانا عبدالرحمن الجامي من بلدة  "بلخ"  الأفغانية وصاحب أجمل القصائد العاطفية كمال الخُجندي من بلدة "خُجَنْد" الطاجيكستانية وصاحب الرباعيات الخالدة الفلكي الشهير عمر الخيام من بلدة "نيسابور" الخراسانية..

وفي كل ما بلغته ثقافتنا الطاجيكية من السمو والرقي يعود الفضل إلى الثقافة العربية الأصيلة ومدى التفاعل بها وإن تاريخنا المشترك حافل بأمثلة رائعة عن هذا النوع من التفاعل والتواصل..

ولقد استمرت الصلات بيننا وبين العرب حتى أوائل القرن العشرين لحين سقوط أمارة بخارى وانضمام آسيا الوسطى إلى الإتحاد السوفيتي وكانت ثقافتنا والثقافة العربية طيلة تلك الحقبة التاريخية تستقيان من منهل واحد.. ثم أصيبت هذه الصلات بالفتور والخمول وعرضت لها عوارض أدت في نهاية المطاف إلى القطيعة والتباعد ولعلنا نحن - الطاجيك - كنا أكثر الطرفين خسراناً من جراء ذلك..

واليوم بعد أن نالت طاجيكستان استقلالها الوطني أصبحنا نشعر بحاجة ماسة إلى التقرب إلى الثقافة العربية والإسلامية وما أقوم به أنا حالياً يعتبر بمثابة أول محاولة لإعادة مد جسور التعاون الثقافي بين الشعبين الطاجيكي والعربي إعتقاداً منا بأن الثقافات عندما تلتقي  حتماً ستزداد الشعوب تتقارباً لتفيد وتستفيد..

- ما هو مجهودك الشخصي في هذا المجال؟                                  

- الهدف الرئيسي هو نشر الثقافة العربية في طاجيكتسان وفي الوقت نفسه تعريف قراء العربية بأهم معالم الثقافة الطاجيكية الحديثة. ومن البديهي أن مثل هذا العمل يتطلب التعاون وتضافر الجهود إذ إنه، كما تقول الحكمة الشعبية، يد واحدة لا تصفق.

و من باكورة ما قمت به بالتعاون مع كبار الشعراء الطاجيك هي ترجمة ونشر ديوان الشاعر اليمني الكبير عبد العزيز المقالح تحت عنوان "كأس من الدموع" ثم مجموعة من قصائد الشاعرة الكويتية القديرة الشيخة سعاد الصباح قد تم طبعها في طاجيكستان تحت عنون "خيمة الكلمة القدسية". وبالمناسبة أحدثت هاتان المجموعتان انقلاباً  في المحافل الأدبية والثقافية الطاجيكية وعلم القراء أن للشعر العربي الحديث مكانة مرموقة في الأدب العالمي ويستحق أن يُترجم إلى الطاجيكية.

وبعد ذلك بقليل استطعنا أن ننشر ديوان الشاعر الكبير نــزار قباني تحت عنوان "صرخة الوجع" يضم مجموعة من القصائد السياسية والوطنية مثل "بيروت"، "عاشق دمشقي"، "القدس"، "حوار ثوري مع طه حسين"، "جمال عبدالناصر"، "مرثية بلقيس" و"يوميات امرأة لامبالية" هزت قلوب عشاق الشعر في طاجيكستان..

كما قمنا بتعريب نماذج من الشعر الطاجيكي نشرتها الصحافة العربية في بعض من البلدان العربية ونحن من جانبنا نشكر كل من ساهم في نشر القصائد الطاجيكية..

ويحدوني الأمل بأن أواصل هذا العمل الخيّر في المستقبل بالتعاون مع كل من يمد إليّ يد التعاون لأن اليد الواحدة- كما أسلفنا- لا تصفق..

نشيد طاجيكستان الوطني

عَزيزةٌ أنتِ عَلينا يَا بِلادَنا

وفي سبيـلِ عِزِّكِ اجْتِهادُنا..

جِهادُنـا

وجاءَ مِنْ عُمقِ القُرونِ امْـتدادُنا

خَفَّاقَةٌ راياتُـكِ فوقَ الرُّؤُوسِ

واصْطِـفـافُنا بِظِلِّها .. وإتحادُنا


فَلْتَعِشْ يـا وَطـَنْ

طاجكستانُ حُرَّةً !


وإنّكِ للمجدِ رَمزٌ والكَرامــَهْ

ولِمُنَى أسلافِـكِ أبْقَى عَلامــَــهْ

وعالـَمٌ لابْـنائِكِ الأماجِدِ مُخَلَّـدٌ

ربيعُكِ .. ليس يمَسُّــهُ أذىً

رُبوُعُكِ أرضُ وفاءٍ للرّجالِ واسْتقامَهْ


فَلْتَعِشْ يـا وَطـَنْ

طاجكستانُ حُـرَّةً !


وإنّكِ أمٌّ تَعُمُّ الأجْمَعَا

نيِطَ بكِ هَناؤُنا وما إلى التطلُّعِ دَعاَ

وفي وُجُودكِ التواصُلُ

وفي حُضُوركِ التلاحُمُ .. وإنَّنا

نُحِبُّكِ والعالَمَ بِأسْرِهِ نُحِبُّهُ مَعاَ


فَلْتَعِشْ يـا وَطـَنْ

طاجكستانُ حُـرَّةً !

****



مكتبة

"الطاجيك في مرآة التاريخ"

الرئيس إمام علي رحمان

وردة في الخد... وأخرى بالنظر

وردة في الخد... وأخرى بالنظر

الأستاذ جولنظر, الأستاذة جلروخسار

"الطاجيك في مرآة التاريخ"

الرئيس إمام علي رحمان

"الطاجيك في مرآة التاريخ"

الرئيس إمام علي رحمان

"الطاجيك في مرآة التاريخ"

الرئيس إمام علي رحمان